باسم خندقجي: جبهة ثقافية عصيّة على «القبة الحديدية»!
اعتُقل الأديب والأسير الفلسطيني المحرَّر باسم خندقجي (1983) في عام 2004، وأمضى 21 عاماً في سجون العدو الصهيوني. خلال هذه السنوات الطويلة، أنتج أعمالاً أدبية وأكاديمية، وشارك في نضالات الحركة الفلسطينية الأسيرة والإضرابات عن الطعام.


اعتُقل الأديب والأسير الفلسطيني المحرَّر باسم خندقجي (1983) في عام 2004، وأمضى 21 عاماً في سجون العدو الصهيوني. خلال هذه السنوات الطويلة، أنتج أعمالاً أدبية وأكاديمية، وشارك في نضالات الحركة الفلسطينية الأسيرة والإضرابات عن الطعام. إلى جانب عددٍ من الأسرى أمثال الشهيد وليد دقة، والأسير مروان البرغوثي، وكميل أبو حنيش، ووائل الجاغوب، وناصر أبو سرور، وعباس السيد. شكّل باسم خندقجي حالةً نضالية وثقافية وفكرية صاغت مفاهيم جديدة تتعلق بإنتاج المعرفة المناهضة للاستعمار، إذ استطاع الأسرى والأسيرات أن ينتجوا معرفةً نقيضةً للسجن، تتجاوز جدرانه إلى العالمية.
أصدر باسم خندقجي أعمالاً أدبية عدة تشمل مجموعتين شعريتين هما «طقوس المرَّة الأولى» (2009) و«أنفاس قصيدة ليلية» (2013)، وستّ روايات هي: «مسك الكفاية: سيرة سيِّدة الظلال الحرَّة» (2014)، و«نرجس العزلة» (2017)، و«خسوف بدر الدين» (2019) التي وصفها الشاعر والناقد عبد الرحيم الشيخ بأنها عمل أدبي إبداعي استطاع أسير فلسطيني أن يتخيل أحداثاً في القرن الخامس عشر وهو يعيش في القرن الحادي والعشرين داخل زنزانة صهيونية، و«أنفاس امرأة مخذولة» (2020)، و«قناع بلون السماء» (2023) التي حصلت على «الجائزة العالمية للرواية العربية » (البوكر) عام 2024، و«محنة المهبولين» (2024)، فيما يُنتظر صدور روايته الجديدة «فراشات مريم الجليلية» التي كتبها من داخل السجن قبل أن يُفرج عنه عام 2025 ضمن صفقة بين المقاومة الفلسطينية في غزة والاحتلال الإسرائيلي، ويُبعد إلى مصر. «كلمات» التقتّها في حوار عن الثقافة المشتبكة والكتابة والاحتلال وطبعاً فلسطين
■ أنت غنيٌّ عن التعريف، من طالب صحافة وإعلام في «جامعة النجاح الوطنية» في مدينة نابلس، إلى أسير وأديب وقائد وطنيٍّ في جغرافيّة السجون، والآن محرَّر ومبعدٌ إلى مصر. في هذا التعقيد بين الذاكرة والحنين، كيف نصف حياة باسم خندقجي بين هذه المحطات الثلاث؟
ـــــ أرى حياتي في مراحلها المتعددة، قبل الاعتقال، وخلاله، والآن في المنفى، كحياة حافية. هي بحث عن الحرية، وسعي نحو الوجود وإعادة تشكيل ملامح الإنسانية.
إنسانية يحاول المستعمر الصهيوني انتزاع معالمها وتفكيك كينونتها. ولكل مرحلة من هذه المراحل سياقاتها المحددة، إلا أنها تجتمع كلّها في أساس واحد جوهري، هو أولوية النضال ضد هذا المستعمر؛ سواء خلال فترة الدراسة في «جامعة النجاح الوطنية» التي جاءت في سياق الانتفاضة الثانية، أو في المعتقل، أو هنا في المنفى. وبالتالي، فإن القاسم المشترك الذي يجمع هذه الحياة بمراحلها الثلاث هو أنها ما تزال حافية بالنسبة إليّ: بحثٌ مُلِحّ ودؤوب عن الحرية المنشودة، وعن الوجود الإنساني المرتبط ارتباطاً جوهرياً بتحرير الوطن وكتابة فلسطين في النص.
■ تتحدث في أعمالك عن مفهوم «أدب الاشتباك». كيف تشرح لنا هذا المفهوم؟
ــــ يستند مفهوم «أدب الاشتباك» في بعض مناحيه إلى أدب المقاومة وينطلق منه، لكنه يختلف عنه كونه أدباً ينبثق من صميم السياق الاستعماري ويسعى إلى الإجابة عن السؤال الجوهري: كيف نُنتِج أدباً مناهضاً للاستعمار من داخل الواقع الاستعماري ذاته؟ يتحرك هذا المفهوم على مستويات عدة، في مقدمتها تسليط الضوء على المضامين والأُسس المعرفية للمنظومة الصهيونية الشاملة.
ومن هنا، يقوم المثقفون والكتّاب الفلسطينيون والعرب بالاشتباك المباشر مع هذه المرجعية الفكرية الصهيونية بكل تجلياتها: الثقافية والأدبية والمعرفية والفلسفية والسياسية.
كما يتحدد مفهوم أدب الاشتباك عبر إضفاء البُعدَيْن النسوي والطبقي على الكتابة. فهو يُعنى بتجسيد نضال المرأة وقدرتها على الاشتباك مع الواقع الذكوري المسيطر، سواء على مستوى الخطاب الأدبي والثقافي، أم على مستوى الواقع الاجتماعي الملموس للمرأة الفلسطينية والعربية.
المنتوج الثقافي الغربي الذي جيء به إلى الشرق، كان مرتبطاً عضوياً بمنظومة السلطة الاستعمارية الأوروبية
كذلك، يتناول أدب الاشتباك البُعد الكوني للقضية الفلسطينية، ففلسطين لم تعد شأناً محلياً، بل تحوّل ألمها إلى ألم كوني. ومن هنا، يهدف هذا الأدب إلى تحقيق معادلة جدلية الخاص والعام: كيف ننقل القضية الفلسطينية من حيز الخصوصية إلى فضاء العالمية، ليس بصورة مأساوية نمطية، بل عبر صياغة جديدة تُبرز العلاقة الجدلية بين الهامش والمتن، وبين المركز والمحيط داخل الواقع الفلسطيني.
ويلفت أدب الاشتباك الانتباه إلى أهمية سياسات الهوية وسياسات المعرفة في الممارسة الكتابية والبحثية.
فهو يفكك أسطورة الحياد، مؤكداً على أنّ لا حياد في الأدب أو الثقافة أو الفكر أو حتى في العلوم. فالمنتوج الثقافي والفكري الغربي الحداثي، الذي جيء به إلى الشرق، لم يكن محايداً، بل كان مرتبطاً عضوياً بمنظومة السلطة الاستعمارية الأوروبية. لذلك، يرفض أدب الاشتباك هذا «الحياد» الأكاديمي الزائف، الذي يتصوّر الكاتب كأنّه جرّاح يعمل بقفّازات وقناع ليتجنّب الاحتكاك المباشر بالموضوع. على العكس، يشتبك أدب الاشتباك بعمق مع مادته البحثية ومع الغايات التي يطمح الكاتب إلى تحقيقها عبر السرد.
■ يقول الروائي والمناضل وليد الهودلي إنّ روايتك «قناع بلون السماء» الفائزة بجائزة «بوكر» هي الرواية التي لم تتصدَّ لها «القبة الحديدية». الآن، وأنت خارج جدران السجن، تعمل على عدد من المشاريع الروائية مثل «فراشات مريم الجليلية» ورواية عن الأسير الشهيد وليد دقة. هل تحدثنا عن هذه الإنتاجات؟ وما الذي تعنيه الكتابة الضد ــ استعمارية وأنسنة الآخر في الأدب الفلسطيني؟
ـــــ تعبير الروائي والمناضل وليد الهودلي هو تعبير رائع بالفعل. رواية «قناع بلون السماء» عندما انتصرت بها -ولم أفز- انتصرت بها للشعب الفلسطيني في أوج الإبادة الجماعية. هي بالفعل تشكل إحدى الضربات الحازمة لهذا العدو الصهيوني، الذي يخشى أن ينافسه الفلسطيني على السرد، ويخشى منافسته على مستوى الجبهة الثقافية.
أما على صعيد مشاريعي الروائية، فراويتي «فراشات مريم الجليلية» ستصدر في آذار (مارس) المقبل عن «دار الآداب». وأنا في المناسبة، كتبتها قبل الإبادة الجماعية على غزة.
ولكن مشروعي المقبل هو رواية عن صديقي الشهيد ورفيق دربي الراحل وليد دقة. وهذه الرواية كتبتها بالفعل قبل تحرّري بستة أشهر. كتبتها داخل ذهني من دون أي قلم ودفتر.
كنت أصحو كل يوم داخل المعتقل، في أوج الحرمان وذروة الهجمة الشرسة والإبادة الثقافية التي مورست ضدنا، وأكتب في رأسي وذهني. كنت أتدرب كل يوم على الكتابة، وأشعر بالارتياح والفخر لأنني أنتصر على هذا السجّان الذي صادر مني قلمي ودفتري، ولكنه لم يصادر عقلي وذهني، ولم يصادر ذلك التوقد الذي أسعى عبره إلى تحديه.
أدب الاشتباك يعني أن نكتب لكي نفكك هذه المنظومة الاستعمارية
أما ما الذي تعنيه الكتابة ضد الاستعمار وأنسنة الآخر في الأدب الفلسطيني، فهذا يعدّ من أهم ركائز أدب الاشتباك؛ أن نكتب لكي نفكّك هذه المنظومة الاستعمارية. هذا يعني أن تصبح الكتابة جبهة ثقافية.
هذه الجبهة الثقافية نفتحها على هذا الآخر عبر أنسنته. المقصود بالأنسنة ليس التطبيع. المقصود بالأنسنة هو كيف نجيب عن التساؤل الآتي: «كيف يصحو الجندي في الصباح ليقبل أطفاله قبل أن يذهبوا إلى المدرسة، وفي المساء يقتل أطفال غزة ويحرمهم الذهاب إلى المدرسة؟».
هناك سياق إنساني لهذا الجندي، هناك حياة يومية، تفاصيل يومية. تسليط الضوء على النسيج الاجتماعي للواقع الصهيوني، وتسليط الضوء على النسيج الثقافي وعلى هذه المحددات المعرفية والثقافية الشمولية، يمنح الفلسطيني نقطة تفوّق على الآخر الصهيوني، وقدرةً على تفكيك هذه المنظومة من داخلها. هذا هو المقصود بالأنسنة.
أنا لا أستطيع أن أهزم الديناصور ما دمت أتعامل معه على أنه ديناصور في مخيلتي وعقلي، ولا أستطيع أن أهزم الغول ما دمت أتعامل معه على أنه غول. الصهيوني ليس غولاً وليس ديناصوراً، ممارساته على أرض الواقع هي ممارسات وحشية ولا إنسانية، لكنها تنطلق من بُعد إنساني، أي إنها تنطلق من بني البشر، من بني آدم. ومن هنا علينا أن نقوم بأنسنة هذا الآخر كي نستطيع أن نهزمه داخل سرديتنا الفلسطينية، والابتعاد أيضاً عن الصورة النمطية التي دائماً ما عهدناها للصهيوني داخل الأدب العربي، وهي صورة نمطية تعيسة وتقليدية إلى حد بعيد.
■ كان أحد الأصدقاء الأسرى يشير إلى أن الأدباء العرب، كحنا مينة وعبد الرحمن منيف وغسان كنفاني، حاضرون دوماً بين الأسرى، وأنت «أصغر قارئ لحنا مينة» كما يُطلق عليك، كيف تصف الحياة الثقافية والمكتبة داخل السجن؟
- ثقافتي كقارئ والانتقال ربما إلى القراءة المحترفة عمليّة صُقلت في المعتقل. وللحياة الثقافية داخل المعتقل مزايا خاصة، وهي ممارسة مكثفة ومركزة في عملية القراءة تحديداً. داخل المعتقل، كانت قراءاتي تتركز بدرجة أساسية على الكتب والمراجع المعرفية والفكرية في علم الاجتماع والتاريخ والأساطير والفلسفة، وهذا ما انعكس بصورة إيجابية وبشكل مباشر على كتاباتي الأدبية وعلى قدرتي السردية.
المكتبة داخل السجن – يمكن أن أقول – فضاء مغاير، متحرر من الروتين. وفي المناسبة، كل سجن يحوي أقساماً عدة وكل قسم من هذه الأقسام يحتوي على مكتبة.
ما قبل السابع من أكتوبر 2023، كانت المكتبات في السجون تشكل كنزاً معرفياً للأسير الفلسطيني، وكانت الكتب تصلنا طازجة من الخارج، ولكنها لم تكن لتصلنا عبر هبة من السجان، وإنما كنا ننتزعها انتزاعاً عبر إضراباتنا الطويلة عن الطعام.
ومن هنا، لعبت المكتبات داخل السجون دوراً حاسماً وأساسياً في تطوير ثقافة الأسرى بشكل عام. وبالفعل، كان الكتّاب والكاتبات حاضرين داخل الحوارات، وكان هؤلاء الكتّاب الكبار – المفكرون والفلاسفة – يشاركون في نقاشاتنا اليومية التي كانت تدور داخل السجون. وكانوا يقومون بحمايتنا وصيانة أفكارنا عبر كتاباتهم ومقالاتهم التي كنا نحفظها عن ظهر قلب.
■ خلال حرب الإبادة، ارتكب العدو جرائم إبادة ثقافية في تدمير المتاحف وقتل الفنانين وتدمير الجامعات والمدارس والمؤسسات الثقافية. هل نشهد شيئاً مشابهاً تجاه البنية الثقافية للحركة الفلسطينية الأسيرة؟
ـــ ما بعد السابع من أكتوبر 2023، وبداية العدوان الصهيوني على شعبنا في غزة الذي تجلى بأبشع صوره عبر الإبادة الجماعية، استغلت إدارة مصلحة السجون الصهيونية ووزيرها المتطرف المستوطن إيتمار بن غفير هذه الإبادة الجماعية؛ لممارسة إبادة جماعية من نوع خاص ضد الأسرى الفلسطينيين في سجون الاستعمار الصهيوني.
ومن أهم أشكال هذه الإبادة كانت الإبادة الثقافية، حيث سحب السجانون كل إنجازات الحركة الأسيرة في الجانب الثقافي والأدبي؛ أي سحبوا الكتب والمراجع والأقلام والدفاتر وكل ما يتعلق بالإنتاج الثقافي والأدبي والمعرفي والبحثي والأكاديمي. منذ الأيام الأولى، صادروا جميع الكتب، بل وحرقوها.
الذكاء الاصطناعي أغبى
اختراع إنساني، لما يحمله من لا مساواة وعنف والحرب على غزة ولبنان دليل على ذلك
وهذا ما أثّر فيّ كثيراً، ليس فقط كأسير ومناضل، وإنما كمثقف. عندما تصحو في الصباح أو تمارس حياتك داخل المعتقل بين الأوراق والكتب ومعك الأقلام، ثم فجأة وفي لحظة واحدة لا يعود معك شيء من ذلك، كانت الأمور قاسية إلى حد كبير. وكانت هناك سياسة ممنهجة وواضحة يريدون عبرها ضرب كل المنظومة الثقافية والأدبية للأسرى داخل سجون الاستعمار الصهيوني.
للأسف، خسرنا الكثير من المراجعات المكتوبة بخط اليد داخل السجون، والتي بذل عدد من الأسرى الجهود وتعبوا في بلورتها وصياغتها داخل دفاترهم. ومجمل ما قمت بتجميعه وما كتبته داخل الدفاتر من ملاحظات خاصة بي، صادروه وأحرقوه. ولكن يمكن القول إنّ بعض النصوص والمراجعات نجت من وحشية هذا السجان الصهيوني، الذي يهدف إلى قتل إنسانية الأسير الفلسطيني عبر نزع منجزاته الإنسانية منه داخل المعتقل.
■ «سأبقى أحب، فهو نصري المتواضع على سجَّاني». في كتاباته، يعطي المفكر الشهيد وليد دقة الحبَّ قيمةً كبرى في تغيير لحظات وزمن الأسير، فهو يصف العلاقة مع سناء كبداية لزمن جديد. كيف تصف الحب داخل السجن؟ وفيما يتعلق بإنتاجك المقبل عن وليد، هل تظهر سناء وميلاد في الرواية؟
- قبل أن يكون مثقفاً في السجن، فالمثقف هو مناضل، والمناضل إذا لم يحبّ، فهو ليس بإنسان. الحب هو ممارسة ثورية في بعض الأحيان، عندما نرى أنه يحمي، وهذه الجملة الخالدة لصديقي الشهيد وليد دقة: «سأبقى أحبّ، فهو نصر المتواضع على سجاني» هي بالفعل دقيقة جداً. الحبّ يحمي داخل المعتقل ويصون ويُسهم في استعادة الإنسانية. وفي ما يتعلق بالزمن الخاص بالحب، فهو زمن متحرر من عبء الزنزانة، ومتحرر أيضاً من التفاصيل الحديدية للمعتقل.
بالنسبة إليّ، لا أرى أنّ المعتقل يمكن أن يعبّر عن المفهوم الحقيقي للحب، لأن المعتقل في النهاية واقع مشوّه، ويُفرض ويُعبّر ربّما عن مشاعر مشوّهة. أنا أرى أن الحب الحقيقي هو الذي يتحقّق في الخارج. في السجن هناك حب مشتهى، هناك حب مستعار، حب مجازي. إلا ما ندر، عندما نرى مثلاً في حالة وليد وسناء: العلاقة لم تكن فقط علاقة حب، وإنما علاقة حرية. بحث وليد عن الحرية، وعن تفاصيل إنسانية معينة عثر عليها لدى سناء، وأنا دائماًما قلتُ: أرى في سناء أنها «وليد آخر». لعلّ سناء هي وليد الحقيقي، أو وليد الوجه الآخر الذي يُكمل وليد.
أما في الرواية الخاصة بوَليد، فهي ليست رواية سيرية، ولهذا فقد تكون سناء وميلاد حاضرتين في الرواية بطريقة غير مباشرة، لكن روح الرواية هي روح وليد.
■ في إحدى دراسات الشهيد وليد دقة («المكان الموازي: رسم الزمن في فكر وليد دقّة» لعبد الرحيم الشيخ ــ مجلة «الدراسات الفلسطينية» ــ العدد 135 ـــ صيف 2023)، يُشار إلى أنّ رسم السجن كان وسيلةً لتخطِّي الجدران، ومحاولةً للتحرر بصريّاً. في مقابلة سابقة، كنتَ تشير إلى الكثافة اللونية في الحياة خارج السجن مقابل الحياة داخله. هل تحدثنا عن هذا الجانب البصري/ اللوني؟ أو لو أردنا وصف الحرية بصريّاً، ماذا نحكي عنها؟
ـــــ الرسم داخل السجن يشبه إلى حد ما الكلمات داخل السجن، لكن الرسم في هذه الحالة ينطلق من السجن إلى خارجه، كما هي الكلمات أو الأدب الذي يخترق السجون ليصبح أدباً كونياً أو أدباً عابراً للسجون. أنا أرى أن ألوان الحرية هي أيضاً ألوان متخيلة، وليست ألواناً يمكن وصفها أو الحديث عنها، وبالتالي ألوان السجن محايدة ومحدودة.
يمكن أن يبدع الأسير بألوان عدة داخل السجن، ولكن الحياة خارج السجن، هذا الانفجار اللوني إذا جاز التعبير، هو أحياناً لا تقدر العين على استيعابه مرة واحدة. بعد أكثر من 21 عاماً، يخرج الأسير ويصبح في عالم مليء بالألوان ومزدهر بهذه الألوان، فيبحث عن ألوانه الخاصة، في سعي حثيث نحو رسم حريته بهذه الألوان الجديدة.
■ من القضايا التي يشير إليها الأسرى هي العلاقة المعقدة التي تنشأ مع التكنولوجيا، فمن عصر الهاتف النقال في عام 2004، خرجتَ من السجون والمجتمعات تضج بالذكاء الصناعي. هل دخلت هذه العلاقة المعقدة مع التكنولوجيا في أعمالك الأدبية؟
- لربما التحدي الذي أعتبره أعظم وأكثر إزعاجاً من التحدي الأمني الصهيوني، هو تحدي الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا. أنا أرفض حتى الآن أن أحمّل برامج الذكاء الاصطناعي على هاتفي أو حاسوبي. أرفض أن أتعامل معها تماماً. وعندما استعملت اللابتوب، استعملته بعدما أجريت تسوية بيني وبين نفسي: هل يمكنني أن أكتب أو أطبع على لوحة الحروف والأرقام الموجودة على الحاسوب؟ أم ماذا؟ هل يمكنني أن أفعل ذلك بعدما كنت معتاداً على الأوراق والحبر ولمس هذه الأوراق؟
حتى الآن، أواجه تحدياً في هذا الموضوع، ولكنني أحاول أن أتعامل مع التكنولوجيا بطريقة مغايرة، كما لو أنها ممر إجباري يجب أن أمر به من دون أن أخوض في تفاصيل هذا الذكاء الاصطناعي الذي أجده أغبى اختراع إنساني، لما يحمله من لا مساواة وعنف. وكان في أوضح وأبشع أشكال استخدامه ما اقترفه هذا «الذكاء الاصطناعي» بحق أهلنا في غزة ولبنان في الحرب الأخيرة.
